مدخل يتيم:-
ما بين همس الحقيقة وصمت الخيال
يتجسد العناق الأخير.
...،؛،.................،؛،...
بالأمس القريب ومع قطرات المطر المتساقطة ، وبعد ان رحل
الجميع عن المكان في مساءاً دافئ ، بعد أن
انتهت لحظات العناق الأخير بيننا كأخوة وزملاء جمعتنا مقاعد الدراسة لسنتين مرت
كلمح البصر.
وقبل الوداع.........
قالت لي طفلة : هل تسمح لي ؟
قلت : نعم يا صغيرتي ؟
رمقتني بنظرة افترست بها ملامح وجهي وعلامات الحزن تكتسيها ، ولسان حالها يقول : هل أنا
صغيرة بنظرك إلى هذا الحد الذي يجعلك تناديني فيه بـ طفلتي..!
وهل السنوات العشر التي تفصلني عنك تجعلك تراني طفلة بنظرك..!
لم تطل تلك النظرة كثيراً ، فما لبثت بعدها أن تداركت
هامسه :-
نعم سأقول ولكن انتظرني قليلاً كي اجمع صوتي الهارب بالفضاء.
رأيت في عينيها كلاماً خجول تحاول ان تقوله لي بصمت
تستميت كي تكسر حاجزه.
طالت وقفتها وارتعاشه الخوف واضحه في ملامح وجهها الذي بدأت تورد وجنتيه تارة وتَحمّر
تارةً أخرى.
همست من جديد
بعد أن استجمعت شيئاً من شجاعتها وقالت
بصوتاً خفيف لا يكاد يغادر شفتيها: " هل تسمح لي أن أبوح لك وأخبرك أمرا..؟! "
أجبتها : تفضلي يا طفلتي ماذا تريدين..؟!
قالت : قبل هذا أدعوك فقط أن تنسى أمر طفولتي وتنسى
السنوات التي تفصل بيني وبينك وتسمعني قليلاً لمرة واحده هي الأولى وتكاد تكون الأخيرة
في هذا المساء ، بعد ان كنت أقول كل شيء لنفسي في كلّ مساء فلا يجيبني سوى دمعي.
حيث كنت دائماً قبل هذا المساء
أنفرد مع نفسي ألملم تراتيل حزني على حافة
نهراً نسي كيف تكون الحياة
وكيف هو لون الفرح وكيف هي الابتسامة وكيف وكيف ..!
هذا المساء أسمعني وحسب .
تنفست بعمق وقالت : ( أحبك )
قالتها ومضت بعدها تشق طريقها بصمت مثلهم لكن دون وداع
أو عناقاً أخير ، مضت والخجل يعانق وجنتيها عناق الحلم للخيال.
رحلت عن المكان وفي عينيها سؤالاً ظل حائراً يبحث له عن
إجابة تروي ظمأ روحها .." يا ترى هل
انت تحبني..؟"
لكنها لم تقف حتى ، لتعرف أجابته..!
مضت (هي) وتوارت سريعاً كأنها لم تكن ، واختفت في ذلك
الممر.
مضت ووقفت ( أنا ) متسمراً في مكاني.
وقفت ولا ادري بماذا
أجيب ولا أي شيء أقول وقد تملكتني
الحيرة وتمكن مني الصمت وتبعثرت
أحرفي بعيداً عن أوراقي وتعرق جسمي
كمن أصابته الحمى غير مصدق ما نقلته لي أذناي..!
ولسان حالي يقول في صمت داخلي :..."ماذا أقول لك يا
صغيرتي..!"
ماذا أخبرك عن
نفسي وإحساسي وبيني وبينك فاصلاً من السنوات يطول مع كل ثانية تمضي من عمري ولا
يقصر.
ماذا أقول لك وانتي أبنة العشرين وانا أبن الثلاثين من
عمري الذي بدأ يذبل ويجف عبير ورده وينتهي شيئاً فشيئاً كلما مرت ثانية وأنقضت تلو
أخرى من ثواني رصيده بهذه الحياة التي لم يعرف يوماً فيها كيف هي وكيف يكون شكلها...!
ماذا أقول وانا الذي كنت هائم بحلم تتجسد فيه
براءة الطفولة وجنون الأنوثة بين ناظريك.
اقبع في مملكتي المخملية التي رسمتها لنفسي على
صفحات كراستي بين رياحين الياسمين وأعاصير
من المشاعر التي كانت تراودني طوال تلك الساعتين كلما رأيتك تجلسين في الجهة
المقابلة لي من تلك القاعة التي كانت تحتضننا كل يوم فتنساب قطرات اشتياقي لك كـ ندى الورد على خد
الذاكرة.
ماذا أقول لك يا طفلتي..؟!
وضعف لساني يقتلني ويحبس الكلمة بأحشائي.!
وددت ان أكلمها بلساني وأنقل لها
مشاعر قلبي لأول مرة بعد ان كنت دائماً
أكلمها بطرف عيني وبعد أن رسمت كثيراً في عيونها أجمل أحلامي وشيدت على خديها أسعد
أيامي وبين أحضانها أرق ليالي مساءاتي .
وددت في هذه اللحظة أن أقول لها
أنتظري قليلاً يا طفلتي .. و لا ترحلْي ..؟ مع الراحلين فقد انهكني الرحيل عن شواطئك كثيراًّ رغم أني كنت دائماً
قريبا منها.
وددت
ساعتها ان أطلق العنان للساني وأقول لها :.." يا طفلتي .. وإنني أيضاً أحبكَ ".
رغم يقيني بأن الحب بيني وبينك تفصله
مسافات تطول ولا تقصر.
مسافات لا يعرفها إلا المسافر الذي
لا يدري إلى أين او متى وكيف ستكون العودة..!
طفلتي ... في ذاك المساء .. أعلنت بانتهاء كلمتها رحيلها
وتبعتها أنا بقليلاً بعدها لأختفي معها ما بين الأمل والخجل والصمت الذي أستوطن
دفاتر أحلامي ويخبئ
حبي الطفولي لطفلتي بين أضلعي وبين سطور كراستي ، كي لا يأخذ منها ملامح
طفولية يختصر بها سنوات عمري التي تفصلني عنها ويبقى لي الحلم يراودني برحيق
عطر آمال تجدد نبضها في روحي بعد
ان ينتهي العناق الأخير وترتسم ملامح بذرة
الشوق التي يغذيها حباً طفولياً أستوطن القلب في صمتاً خجولاً طوال سنتين ولن ينتهي..!
مخرج.../،‘‘
بما أنه لم يكن لدي وقتاً كثير لأرتجل
الكلام وتركت عيني تراك مسافرة تحملين
قلبك الصغير وقلبي الذي هو الآخر أبا إلا أن يكون معكِ مسافرٌ .. في اللاوجود …؟ كما كان من قبل كل شيء غازل الأحلام والأماني في اللاوجود...؟
حيث
كان اليقين حاضراً بان الاحتمال الكبير هو أن تكون الأقدار تخبئ لنا فراقاً دون
لقاءً او عناقاً أخير.
وداعي لك يا صغيرتي ... وهمس عناقي الأخير يقول لقلبك
الطفولي :..." أني كنت دائماً اغمض عيناي لأحلم بلقائك وعلى وسادتي كل ليلة اخمد بكاء أشواقي لعناق نبض قلبك وإحساسك
بي ، لكني بعد اليوم سأغمض عيناي وأنام لأنساكِ وانسى سنوات العمر التي لم أستطع من
خلالها ان أختصر المسافة التي تفصلني عنك..!"
وليبقى الحب بيننا يعانق الأحلام على أرضاً خرافية مكسوة
بالأمل أن نصحوا يوماً على صوتاً يسكن أنفاسنا يحقق آمالنا ويكون لبقية حياتنا معه
حقيقة خلف واقع الخيال..!


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق